إخوان الصفاء
310
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
في الفكر ، والفكر هو إحدى حواسّ النفس الناطقة ، ومؤدّي ما يحيط به إلى النفس ، بدر من النفس بادر فأثّر في نفس المنظور إليه فصرعه ، وهذا موجود ظاهر في الملقوعين « 1 » . وكثير من الناس من يدفع هذا ولا يؤمن به ولا يصدقه وهو شيء واضح مشاهد وما نسمعه دائما . فيحكى عن قوم من أهل الهند أنهم يؤثّرون في غيرهم بأوهامهم أشياء عجيبة ينكرها أكثر الناس ، وبذلك يدفع السحر - كما حكينا في هذه الرسالة عنهم - ويدفع الرّقى والوهم لأن مثل هذا هو من اللطائف التي تشبه الغيب ، ولكنه موجود وفي الملقوعين خاصة ظاهر ، وإنما يدفعه من يدفعه من جهة أنه قد تشبث بدعاوى كاذبة قد أصلتها أصحاب المخاريق الكذابون ، ودسّوها فيما يشبه ذلك الجنّ ، كما قد حكينا في صدر هذه الرسالة في معنى تكذيبهم بما يستمعونه من ذكر السحر وذكر عمل الطّلّسمات إذا سمعوا من بعض الطالبين له من الجهّال الخائضين في طلبه ، والمتعاطين له من غير معرفة به أصلا ، ولا عرفوا أصوله مثل إنسان أبله قليل العلم والعقل جميعا ، أو امرأة رعناء جاهلة أو عجوز ، كذّبوا هؤلاء ، ورفعوا أنفسهم عن أهل هذه الطبقة ، إذ ظهر لهم نقصهم وجهلهم ، إذ وجدوا أكثر هذه الأمور التي قد أفسدها أولئك الجهّال الكذابون باطلة ، فحكموا على جميعها بالبطلان ، ولأن الذي هو من جهة الكذابين هو أكثر وأعم . فأما الأصل الذي هو من الحكماء فهو صحيح وعن الأصول الصحيحة وهو قليل جدّا . وقد روي عن رسول اللّه ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « السحر حقّ والعين حق » . وروي أنه ، صلى اللّه عليه وسلم ، سحر به وأن السّحر استخرج من الجبّ « 2 » ، والحديث في ذلك مشهور . وروي عنه ، صلى اللّه عليه وسلم ،
--> ( 1 ) الملقوع : من أصابته العين . ( 2 ) الجبّ : البئر الكثيرة الماء .